الراغب الأصفهاني
30
تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين
بطشا ولا بحسن اللباس فالطاووس والدراج « 1 » أحسن منه لباسا ولا بالقوة على النكاح فالحمار والعصفور أقوى منه نكاحا ولا بكثرة الذهب والفضة فالمعادن والجبال أكثر منه ذهبا وفضة وما أحسن قول الشاعر لولا العقول لكان أدنى ضيغم * أدنى إلى شرف من الانسان ولما تفاضلت النفوس ودبرت * أيدي الكماة عوالي المرّان ولا بعنصره الموجود منه كما زعم إبليس حيث قال : ( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) . * بل ذلك بما خصه اللّه تعالى به وهو المعنى الذي ضمنه فيه والامر الذي رشحه له وقد أشار اليه تعالى بقوله : ( فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ) * وبقوله : ( خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) . والملائكة لما نبههم اللّه تعالى لفضل آدم تنبهوا فأذعنوا وسجدوا له كما أمروا وإبليس لما نظر إلى ظاهر آدم وبدئه وتعامى عما ذكر اللّه تعالى ولم يتأمل المعنى الذي ضمنه اللّه تعالى آدم والعاقبة التي جعلها له أبى واستكبر . وقد اقتدى به الكفار في رد الأنبياء حيث قالوا : ( ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ) . وقالوا : ( ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ ) . وقد نبه اللّه تعالى على أن الاعتبار بفضلهم ليس بظاهر أبدانهم وإنما ذلك لمعاني في نفوسهم يعمى عنها الكفار فقال عز من قائل ( وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ) . أي لا يعرفون ما فضلتهم به فمن وفق لفضل ما أعطي ولما رشح له وأعد ثم سعى في مثاله فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب
--> ( 1 ) الدراج بالضم والتشديد ضرب من الطير ذكرا كان أو أنثى .